واقعية الزواحف!

خيري منصور / كم اخطأنا عندما صدقنا ان الخيال حكر على الشعراء والحالمين ، وانه نقيض الواقع ، ثم صنفنا أنفسنا بين خيالي وواقعي ، وأذكر ان ع...

خيري منصور/ كم اخطأنا عندما صدقنا ان الخيال حكر على الشعراء والحالمين ، وانه نقيض الواقع ، ثم صنفنا أنفسنا بين خيالي وواقعي ، وأذكر ان عبارة استوقفتني لارنست فيشر قبل اكثر من ثلاثة عقود هي انه من واقع على الاطلاق ، لأن الخيال واقع مركز الخيال أداتنا حين نشتري سيارة أو حتى حذاء ، فما من شيء نقف لنتأمله قبل اقتنائه الا ونتخيل أنفسنا فيه ، حتى الهدايا سواء كانت لأطفالنا أو لأصدقائنا أو لمن نحب نتخيلها على هؤلاء قبل ان نحدد اختيارنا.
الخيال نبع أخلاقي لا ينضب ، وهو الذي يجعلنا نشعر بالأسى عندما يفقد الآخرون أعزاء عليهم لأنه يتيح لنا ان نضع أنفسنا مكانهم أو كما يقول المثل الانجليزي "في أحذيتهم" لهذا امتاز الانسان عن سواه من الكائنات بأنه يموت مرارا قبل أن يموت ، ويفقد قبل ان يأزف موعد الفقدان ، وشحة الخيال هي التي توهم ضحيتها بأن المأساة هي من نصيب الآخرين. اما الذات فهي معصومة.. وكم كانت الحكمة آسرة في ذلك السطر الذي نقش على قصر في احدى عواصم العرب وهو لو دامت لغيرك لما وصلت اليك ، لكن من يتذكر في سعار هذه الحياة وزحامها المجنون؟.
حتى الذاكرة ليست نقيض الخيال ، فالانسان لا يتذكر الا ما رأى أو سمع ، وبالتالي فان خياله هو اعادة انتاج لتلك المرئيات والمسموعات وحتى المشمومات ، لكن بعد أن يضيف الى الذاكرة مهارة الحاضر،.
نحتاج الى الخيال كي نتأكد بأن الموت والمرض والفقر والجهل ليس من نصيب الآخرين فقط ، وان مجرد مصادفات هي التي غيرت المصائر ولو ولد اينشتاين في قرية عربية في القرن التاسع عشر لكان في أحسن الأحوال سائق عربة أو سائس خيل ، ولو تورط تشرتشل بأخطائه المدرسية التي لفتت اليه انتباه معلميه بالولادة في احدى قرانا لكان مجرد سائق لضابط انجليزي في عهد الانتداب أو بائع خيار متجول،،.
ان كلمة واقعي رغم تكرارها مرات عديدة في حواراتنا اليومية تبدو عديمة المعنى اذا قصد بها أن تكون نقيض الخيال ، فالسلاحف واقعية وكذلك الصراصير ، لكن الكائنات التي ابتكرت التراجيديا واستشهدت دفاعا عن حياة الآخرين لها من الخيال ما يفوق الواقعيات كلها على اختلاف التسميات والتصنيفات المدرسية، وقد اتضح ان معظم القتلة والمجرمين يعانون من أنيميا الخيال ، لهذا لا يخطر ببالهم احتمال ضبطهم متلبسين بما اقترنوا ، والقصاص الذي ينتظرهم لأنه ما من جريمة كاملة، حتى هذه الجريمة التاريخية الفظيعة التي أعادت الانسان قردا في الألفية الثالثة،،.
ان من لا يعيشون بالخبز وحده لن يعيشوا بالواقع وحده ، تماما كما ان من يعيشون بالورد وحده لن يستطيعوا البقاء على قيد الحياة ، فالجدلية خالدة بين الذاكرة والخيال والذات والآخر ، كما هي كذلك بين الموت والحياة والأفراح والأتراح ، ولا أظن ان الخيال بحاجة الى من يدافع عنه لولا ان الواقعية الزواحفية فرضت علينا ذلك.. ما دام هناك بشر لا يموتون الا عندما يموتون ولا يفقدون الا عندما يطرق الفقدان أبوابهم الموصدة،.
ولا ندري ما اذا كان المقصود بالواقعية التأقلم الحربائي والببغاوي مع كل طارىء من اجل البقاء على قيد الحياة في بعدها العضوي فقط أم احتقار الورد لأنه لا يؤكل ولا يطبخ كالبصل؟.
وهذا الفصل التعسفي بين الرغيف والوردة وبين المهد والتابوت وبين الممكن والمتحقق هو فك ارتباط بين الانسان وذاته،،.

المصدر/ جريدة الدستور

التعليقات

height=''
الاسم

أحلام مستغانمي,5,أقلام وكتّاب,11,المكتبة المسموعة,15,بالعربي الفصيح,4,حوارات,4,خيري منصور,1,فتوحات أبجدية,5,فهمي هويدي,1,قراءة في عنوان,6,قضايا وملفات,5,كلام في الفن,4,مقالات مترجمة,4,من هنا وهناك,5,
rtl
item
مجلة مُوفّق: واقعية الزواحف!
واقعية الزواحف!
مجلة مُوفّق
https://mwaffaq.blogspot.com/2010/09/blog-post_1995.html
https://mwaffaq.blogspot.com/
http://mwaffaq.blogspot.com/
http://mwaffaq.blogspot.com/2010/09/blog-post_1995.html
true
4614707858412713540
UTF-8
تحميل كل الموضوعات ليس هناك أي موضوع مشاهدة الكل تابع القراءة تعليق مسح التعليق حذف الناشر الرئيسية الصفحات الموضوعات مشاهدة الكل اقرأ أيضا قسم أرشيف ابحث كل الموضوعات لم يتم إيجاد موضوع يطابق بحثك عودة إلى الرئيسية الأحد الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت الأحد الإثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت جانفي فيفري مارس أفريل ماي جوان جويلية أوت سبتمبر أكتوبر نوفمبر ديسمبر جانفي فيفري مارس أفريل ماي جوان جويلية أوت سبتمبر أكتوبر نوفمبر ديسمبر اللحظة قبل دقيقة $$1$$ قبل دقيقة قبل ساعة $$1$$ قبل ساعة أمس $$1$$ قبل يوم $$1$$ قبل أسبوع قبل أكثر من 5 أسابيع متابعون تابع محتوى مشروط اضغط لفك التشفير انسخ الكود ظلّل الكود تم نسخ الكود في الكيوبرد لم يتم نسخ الكود/ النص, اضغط [CTRL]+[C] (or CMD+C with Mac) للنسخ